شلون بديت بالبرمجة
قبل ما جنت أعرف شنو معنى كلمة "برمجة"، جان اهتمامي بالفضاء. جنت بخامس اعدادي، وكل وقتي الفاضي أروح أقرا وأشوف عن تاريخ الفضاء، عن الرحلات والبعثات، عن الشركات وشلون وصلوا لهنا. جنت أحفظ أسماء الصواريخ ومحركاتها وأجزائها وشلون تشتغل كل قطعة بيها، وكل هذا من اليوتيوب و كوكل اكثر شي.
وأكثر شي جان يذهلني الـ Falcon 9. صاروخ بهذا الحجم وبهذا القوة، يطلع للفضاء وبعدين يرجع بروحه ويوكف على رجليه واقف مثل ما طلع. جنت أعيد الفيديو مرات ومرات، ما جان يدخل عقلي شلون هذا ممكن يصير.
طبعاً فكرت ليش ما أصير عالم صواريخ، اشوية بحثت بالموضوع اكتشفت هذا شي مستحيل بالعراق. قررت أدور على شي ثاني يكون بنفس الصعوبة والإبداع، شي يخليني أحس بنفس الشعور.
والسؤال اللي غيّر كلشي جان شلون هذا الصاروخ يطلع ويرجع ويوكف بروحه، بدون ما أحد يسوقه؟ الجواب جان كود الي بداخله. من هنا بدأت، جربت لغة Java ما دبرته، بعدين لكيت لغة Python اشوية سنتاكس جان اسهل فقررت استمر بيه، جنت ابني برامج بسيطة بيه و العاب بسيطة، سوالف سخيفة مثل برنامج الحاسبة.
عالعموم وصلت للسادس، تدرون شنو السادس بالعراق، تسكت وتدرس وبس. أرجع للبيت من الدرس ميت من التعب، ماكو وقت للبرمجة ابد، جنت بس انتظر هاي السنة تخلص حتى أرجع لللي أحبه. وكل اللي جان براسي إني أدخل كلية لها علاقة بالكومبيوتر، لأن عرفت كلش حبيته و عرفت راح أبدع بيه.
بس بسبب الأهل والأقارب انفرض عليّ أدخل تخصص مجموعة طبية. جنت متضايق للدرجة إني ما جنت أدري وين رايح، حرفياً ما عرفت شنو هالتخصص إلا لما بديت أدوام. أول سنة جانت أونلاين من البيت بسبب كورونا، بس ما وكفت أتعلم برمجة، كملت لحالي. كسبت أصدقاء زينين من الإنترنت ومن الواقع، وحصلت شوية فلوس من الكودنك. هذا كله قبل الـ AI، ما جان عندي خبرة كبيرة، بس جان عندي صبر أبحث وأتعلم.
وهنا لازم أكولها بصراحة، هاي المشكلة أشوفها بكل مكان بالعراق، عوائل تفرض على أولادها تخصصات ما عندهم بيها لا شغف ولا معرفة. إذا أنت شخص ما بحث بحياته عن شي وما يعرف شنو يريد، أتفهم ليش تخلي أهلك يختارون بدالك. بس إذا أنت شخص تعرف شنو تريد من زمان وينفرض عليك تروح لمكان ما تحبه، هذا شعور مو طبيعي بصعوبته. بأول سنتين وصلت لمرحلة ما أكدر أنام من التفكير، وفكرت جدياً أترك الكلية. بس هم كملت اشلون ما چان.
تخرجت سنة 2024. لا سويت حفلة تخرج، ولا أخذت صورة تخرج، ولا حتى صور بالكلية، بأربع سنوات ما عندي أكثر من ٣ صور. السبب بسيط، ما جنت فخور، ما أعتبرها إنجاز أصلاً. الكلية بالعراق من أسهل الأشياء وأغلبها مظاهر، ملابس وميكياج وساعات ضايعة كل يوم. بالنسبة إلي جانت بس مكان لكيت بيه يمكن 3 أصدقاء كملت 4 سنوات وياهم، وبس. وبعد التخرج ماكو تعيين، يعني السبب اللي انفرضت عليّ الكلية بسببه ما تحقق، ما حصلت اللي أريده ولا حتى حصلت الشي اللي ضيّعت عليه سنين.
بعد التخرج اكتشفت إن إيجاد شغل بالعراق شي صعب جداً. اشتغلت بشركة IT سنة كامله كـ Frontend Developer، الراتب مو خيالي بس يكفي مصاريفي وأدخر شوية كل شهر، وبالنسبة إلي جان زين، ما أدري غيري يكدر يشتغل بيه لو لا بس إلي جان كافي. بعدين الشركة وكفت، فرحت لشركة توزيع، اشتغلت شهرين بشغل ما إله أي علاقة بالـ IT، مرات 14 ساعة باليوم، بيئة شغل مدمرة وتعب ما إله نهاية وماكو ضمان اجتماعي. طلبنا حقوقنا كعمال وما استجابوا، وفرضوا علينا Overtime، ولما رفضنا نكمل بهاي الرواتب انطردنا. ومن ذاك الشهر لليوم أنا عاطل عن العمل.
من ذاك اليوم بعدني كل يوم أطلع برة، أتعلم شي جديد كل يوم حتى بس ما اهدر وقتي. وأدور على شغل بنفس الوقت محضر چم سيفي جوى ايدي يمكن دازهن الف مكان ما ادري.
طبعا اكتشفت مو بس اني الضايع. عندي صديق خلص السادس بمعدل ٩٠ من أصعب الكليات دراسة، وخلصها. هسه كاعد مثلي لا شغل لا عمل. كل شباب العراق ضايعين، كل واحد بالعشرينات ضايع، كلنا ما نعرف شنو نسوي. إلا اللي عنده واسطة، أو أبوه أو عمه عنده شركة أو مستشفى. أعرف طلاب هيچي، ما جانوا يحتاجون الشهادة أصلاً، الشغل جاهز إلهم من البداية، وجايين للكلية بس علمود "ما اريد اكول شنو".
عالعموم، وين رايح البلد و شنو وضعنا، إحنا بحالة صعبة وأتوقع الجاي أصعب. أحمد ربي كل يوم عندي أهل يتحملوني، أب وأم ما جوّعوني يوم بحياتي أحبهم وشاكر إلهم و راح اضل ممتن طول حياتي، عدنا بيت و الي نريده ناكله. بس هذا ما راح يستمر للأبد، ما أكدر أعتمد عليهم للأبد و أدري بهذا. بديت أحس إني حِمل عليهم، ولد يعرفون شنو هاي الشعور. كلنا نريد نعتمد على نفسنا، بس ببيئة العراق هذا شي صعب جداً، والكل يعرف شلون الأمور ماشية.
ما أدري شنو أسوي هسه، ولا شنو محضرلي باچر. ضايع، بس بعدني ماشي. إذا أكو شي زين بيّه فهو إني إنسان صبور جداً، أكدر أكمل مهما جان الوضع. يمكن أحصل شغل IT يوم من الأيام؟ يمكن شي أحسن؟ يمكن لا، ما أدري. بس الحمدلله على كلشي. حتى هاي التجارب البسيطة بعد التخرج أعتبرها إنجاز كبير إلي، خصوصاً إني Self-Taught بالكامل، ما دفعت ولا دينار على أي كورس بحياتي، كلشي تعلمته من Google واليوتيوب. وقبل عصر الـ AI لما تدوير على حل لـ Bug ما جان سهل مثل اليوم، وماكو أحد علمني، جنت وحدي من البداية للنهاية، وهذا الشي أنا فخور بيه.
الحياة صعبة و مو ملونة مثل ما نتصوره. لما تخلص الكلية ما راح تحصل شغل، وماكو أحد يهتم بشهادتك، وماكو أحد يهتم بيك، وماكو أحد راح يمسك إيدك ويساعدك. هواية ناس يسألوني يا كلية أدخل، ودائماً أكولهم أي شي تختاره ما يفرق، راح تطلع عاطل مثلنا إحنا اللي خلصنا. فلا تكون غبي، لا تضيع وقتك بالألعاب، الأمور دائماً راح تصير أصعب، وهذا كلام واحد عايش التجربة من الواقع مو نظريات. قصدي انو حاول تتعلم شي جديد كل يوم، والله الكلية اذا ما تستغل بيه وقتك أنت راح تندم.
ما أدري شنو أكتب بعد، بس هاي جانت أفكاري وحبيت أكتبها هنا.
ما أدري إذا أكو أحد راح يقرا هذا، بس أريدكم تعرفون شي واحد، إنتوا مو وحدكم، كلنا ضايعين، فلازم نشد حيلنا و لازم نكمل، كلنا مجبورين الحياة مو سهلة يحتاج منك تكون سبع. و أكو عمر بكد برج خليفة بعد كدامنا، يمكن راح أقرة هذا الصفحة من أكبر و أفتخر بنفسي بالمستقبل.
الحمدلله على كل شي.